تتجه أنظار العواصم الأوروبية إلى بروكسل حيث يلتقي قادة الاتحاد الأوروبي يومي 18 و19 يونيو الجاري، في أول نقاش سياسي رفيع المستوى حول الإطار المالي متعدد السنوات للفترة 2028-2034، وسط خلافات متصاعدة بين الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية بشأن حجم الإنفاق وأولويات التمويل وآليات توزيع الأعباء المالية.
ميزانية تقترب من تريليوني يورو وسط تحديات متزايدة
وتكتسب المفاوضات أهمية خاصة كونها لا تتعلق فقط بتوزيع نحو تريليوني يورو خلال السنوات السبع المقبلة، بل تمثل اختباراً لقدرة الاتحاد الأوروبي على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والدفاع وتعزيز التنافسية الاقتصادية من جهة، والحفاظ على سياسات الدعم التقليدية للزراعة والتنمية الإقليمية من جهة أخرى، في ظل ضغوط مالية وجيوسياسية غير مسبوقة.
محاولة للتوصل إلى اتفاق قبل التحولات السياسية المقبلة
ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق تقدم مبكر في المفاوضات قبل بدء الدورة الانتخابية الأوروبية المقبلة، وقبل احتمالية حدوث تغييرات سياسية في فرنسا، خاصة بعد تعهد رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا، المرشح المحتمل للرئاسة، بخفض مساهمة فرنسا في ميزانية الاتحاد إلى النصف حال وصوله إلى السلطة.
الرئاسة القبرصية تطرح وثيقة تفاوضية جديدة
وتفسر هذه التطورات تسارع وتيرة المفاوضات، حيث تعمل الرئاسة القبرصية الحالية لمجلس الاتحاد الأوروبي على تقديم أول وثيقة تفاوضية "نيغوبوكس" تتضمن خيارات التسوية الممكنة بين مختلف الأطراف المعنية.
خلاف أوروبي حول حجم الميزانية المستقبلية
ويتمحور الخلاف الأول حول قيمة الموازنة، إذ يطالب البرلمان الأوروبي بميزانية تبلغ نحو 1.79 تريليون يورو، بما يعادل 1.27% من الدخل القومي الإجمالي للاتحاد، مع استبعاد أقساط سداد ديون صندوق التعافي الأوروبي من سقوف الإنفاق.
في المقابل، تقترح المفوضية الأوروبية ميزانية أقل بقليل تبلغ 1.76 تريليون يورو، تمثل نحو 1.15% من الدخل القومي الإجمالي، بينما قدمت الرئاسة القبرصية مقترحاً أكثر تحفظاً بقيمة 1.73 تريليون يورو شاملاً أقساط الديون، أو ما يعادل 1.13% من الدخل القومي الإجمالي.
انقسام بين دعاة زيادة الإنفاق وأنصار الانضباط المالي
ويعكس هذا التباين خلافاً جوهرياً حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، بين تيار يرى أن التحديات الجديدة، من الدفاع والأمن السيبراني إلى تعزيز الصناعات الاستراتيجية، تتطلب زيادة الإنفاق المشترك، وتيار آخر تقوده الدول الكبرى المساهمة في الميزانية ويرى أن الضغوط المالية الوطنية لا تسمح بتوسيع الإنفاق الأوروبي.
ألمانيا وهولندا تقودان دعوات ضبط المساهمات
وتقود ألمانيا وهولندا والسويد والدنمارك والنمسا جبهة تطالب بالحد من زيادة المساهمات الوطنية وضبط الإنفاق الأوروبي، في حين تدافع دول الجنوب والشرق الأوروبي، وعلى رأسها إيطاليا وإسبانيا وبولندا، عن استمرار مستويات الدعم الخاصة بالزراعة وسياسات التماسك والتنمية الإقليمية.
ملف الحسومات يثير جدلاً سياسياً جديداً
ويبرز ضمن الخلاف الأوروبي ملف استمرار نظام الحسومات أو "الخصومات" التي تستفيد منها بعض الدول المساهمة الصافية في ميزانية الاتحاد، حيث أثارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني القضية، ووصفت هذه الحسومات بأنها "أمر عفا عليه الزمن"، مطالبة بإلغائها أو منح جميع الدول المعاملة نفسها.
جدل حول طريقة إدارة الأموال الأوروبية
ولا يقتصر الخلاف على حجم التمويل فقط، بل يمتد إلى آليات إدارته، حيث تقترح المفوضية الأوروبية إنشاء "خطط الشراكة الوطنية والإقليمية" التي تجمع معظم التمويل الأوروبي ضمن إطار موحد على المستوى الوطني، على غرار الآلية المستخدمة في صندوق التعافي بعد جائحة كورونا.
وترى الدول الأعضاء أن هذا النموذج يمنح مرونة أكبر ويربط التمويل بالإصلاحات المطلوبة، بينما يخشى البرلمان الأوروبي من تركيز السلطات بيد الحكومات الوطنية والمفوضية على حساب الأقاليم والسلطات المحلية.
مستقبل الزراعة والدفاع في قلب المفاوضات
وتعد أولويات الإنفاق من أكثر الملفات حساسية، إذ تسعى المفوضية الأوروبية إلى توجيه موارد أكبر نحو الدفاع والصناعات الاستراتيجية والابتكار والقدرة التنافسية، استجابة للتحديات الأمنية والأزمة الأوكرانية والمنافسة الدولية مع الولايات المتحدة والصين.
لكن الرئاسة القبرصية اختارت حماية مخصصات الزراعة والتنمية الإقليمية بدرجة كبيرة، ووجهت معظم التخفيضات المقترحة إلى برامج الدفاع والتنافسية، وهو ما أثار اعتراضات من الدول الداعمة لزيادة الإنفاق الدفاعي.
البحث العلمي والتعليم ضمن دائرة الخلاف
ويظهر التباين أيضاً في ملف البحث العلمي والتعليم، حيث يطالب البرلمان الأوروبي بتخصيص 200 مليار يورو لبرنامج "هورايزون أوروبا" للبحث والابتكار، مقابل 175 ملياراً في مقترح المفوضية الأوروبية و167 ملياراً فقط في مقترح الرئاسة القبرصية.
كما يطالب البرلمان بزيادة تمويل برنامج "إيراسموس+" للتبادل الطلابي إلى نحو 48 مليار يورو، مقارنة بـ40.8 ملياراً في مقترح المفوضية و39.1 ملياراً في مقترح الرئاسة القبرصية، معتبراً أن تقليص هذه البرامج يتعارض مع أهداف تعزيز الابتكار والقدرة التنافسية الأوروبية.
تمويل الميزانية يفتح مواجهة جديدة
ويعد ملف تمويل الميزانية من أكثر القضايا تعقيداً، حيث يدفع البرلمان الأوروبي باتجاه توسيع ما يعرف بـ"الموارد الذاتية"، أي مصادر الإيرادات المباشرة للاتحاد بعيداً عن المساهمات الوطنية.
وتشمل المقترحات فرض ضرائب أوروبية على الشركات الرقمية الكبرى، وعائدات نظام تداول الانبعاثات الكربونية، وإيرادات آلية تعديل الكربون على الحدود، إضافة إلى ضرائب على التبغ ورسوم على النفايات الإلكترونية وموارد مرتبطة بالأصول المشفرة وأنشطة المقامرة والألعاب الإلكترونية.
خلاف محتمل مع واشنطن بشأن ضرائب التكنولوجيا
ويرى البرلمان الأوروبي أن فرض مساهمات على شركات التكنولوجيا العملاقة أصبح ضرورياً للحفاظ على تمويل المواطنين والمزارعين وتعزيز الأمن الأوروبي، لكن هذا التوجه قد يفتح جبهة توتر جديدة مع الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، التي تعارض منذ سنوات الضرائب الأوروبية المفروضة على شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى.
قمة يونيو بداية لمعركة تفاوضية طويلة
ولا يُتوقع أن تسفر قمة 18 و19 يونيو عن اتفاق نهائي، لكنها ستشكل أول اختبار سياسي حقيقي لمواقف القادة الأوروبيين، مع التركيز على تحديد الخطوط العامة للتفاوض قبل انتقال الملف إلى مراحل أكثر تفصيلاً خلال الرئاسة الإيرلندية المقبلة لمجلس الاتحاد الأوروبي في النصف الأول من عام 2027.
مستقبل الاتحاد الأوروبي على طاولة المفاوضات
وتكشف مفاوضات الإطار المالي الأوروبي المقبل عن صراع استراتيجي يتجاوز الأرقام المالية، إذ يواجه القادة الأوروبيون سؤالاً أساسياً حول طبيعة الاتحاد خلال العقد المقبل: هل يتجه نحو اتحاد أكثر طموحاً واستعداداً للاستثمار المشترك في الدفاع والتكنولوجيا والسيادة الاقتصادية، أم يبقى مرتبطاً بحسابات الموازنات الوطنية والخلافات التقليدية بين الدول المساهمة والدول المستفيدة.
وتمثل قمة بروكسل نقطة الانطلاق السياسية لهذه المواجهة الطويلة التي قد تمتد حتى عام 2027، لكنها ستحدد بدرجة كبيرة قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة خلال السنوات المقبلة.
برق الإمارات مؤسسة إعلامية إماراتية رائدة في قطاع الأخبار والترويج الإعلامي