كشف مشروع بحثي دولي عن أدلة علمية جديدة تؤكد أن الإنسان القديم استوطن "ملجأ البحيص الصخري" في الشارقة بشكل متكرر على مدى عشرات الآلاف من السنين، في اكتشاف يعيد النظر في الفرضيات السائدة حول أنماط الاستيطان البشري في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية.
ونُشرت الدراسة اليوم في الدورية العلمية "نيتشر كوميونيكيشن" تحت عنوان "أدلة من ملجأ البحيص الصخري على الاستيطان البشري في شبه الجزيرة العربية بين 60 ألفاً و16 ألف عام"، وهي ثمرة مشروع بحثي دولي قاده سعادة عيسى يوسف، مدير عام هيئة الشارقة للآثار، والدكتور صباح جاسم، مستشار الهيئة، بالتعاون مع باحثين دوليين من جامعات ألمانيا والمملكة المتحدة.
التنقيب الأثري يكشف تسلسلاً زمنياً متقدماً
استندت الدراسة إلى أعمال التنقيب في "ملجأ البحيص الصخري"، الواقع ضمن موقع الفاية المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، حيث أضافت هذه النتائج فصلاً مهماً في تاريخ الاستيطان البشري في شبه الجزيرة العربية، وتحدّت الفرضية العلمية التي كانت تشير إلى أن المنطقة كانت شبه خالية بين 60 ألفاً و12 ألف عام بسبب الظروف المناخية القاسية.
وأكد سعادة عيسى يوسف أن هذه الأدلة تثبت أن جنوب شرق شبه الجزيرة العربية لم يكن مجرد ممر للهجرة، بل بيئة قابلة للعيش استمر الإنسان في التكيف معها عبر العصور.
مراحل متعددة من النشاط البشري والتكيف البيئي
كشفت الدراسة عن مراحل متعددة من الوجود البشري في الموقع تعود إلى نحو 125 ألفاً، و59 ألفاً، و35 ألفاً، و16 ألف عام، مؤكدة أن ملجأ البحيص الصخري لم يكن مجرد موقع عابر، بل محطة متكررة للنشاط البشري، ما يعكس قدرة المجتمعات المبكرة على التكيف مع التغيرات البيئية.
وبيّنت الأدلة أن فترات الاستيطان تزامنت مع مراحل ازدياد توافر المياه، وهو أول دليل واضح على هذا النمط في شبه الجزيرة العربية خلال الفترة الممتدة بين 60 ألفاً و12 ألف عام.
أهمية الموقع وحفظ السجل الأثري
لعب "ملجأ البحيص الصخري" دوراً محورياً في حفظ هذا السجل؛ إذ وفّرت تكويناته من الحجر الجيري حماية طبيعية، مما أتاح تراكم طبقات من الرواسب بعمق يصل إلى نحو 1.7 متر، احتفظت بالأدوات واللقى الأثرية. وتم استخدام تقنيات التأريخ بالتألق المحفز ضوئياً لإعادة بناء تسلسل زمني دقيق لوجود الإنسان والتغيرات البيئية، بالتوازي مع مواقع قريبة مثل جبل الفاية، مما يعكس الأهمية العلمية للمشهد الطبيعي القديم في المنطقة.
تأكيد مكانة الشارقة في البحث الأثري الدولي
تقع هذه الاكتشافات ضمن حدود المشهد الثقافي لعصور ما قبل التاريخ في الفاية، الذي أدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2025. وتعكس الدراسة عمق التعاون البحثي طويل الأمد بين هيئة الشارقة للآثار ومؤسسات علمية دولية، مؤكدة مساهمة دولة الإمارات وإمارة الشارقة في إثراء المعرفة العالمية بتاريخ تطور الإنسان وقدرته على التكيف والانتشار، وصون التراث الإنساني وتفسيره بما يخدم الفهم العلمي لتاريخ البشرية.
برق الإمارات مؤسسة إعلامية إماراتية رائدة في قطاع الأخبار والترويج الإعلامي