وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله"، رسالة حول عملة المستقبل.
وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في الجزء الثاني من كتاب "علمتني الحياة" بعنوان "الرسائل": خلال جلسة لي مع مجموعة من الأصدقاء والمسؤولين سأل أحدهم:
ما هي عملة المستقبل التي ينبغي أن نراهن عليها؟ تنوعت الإجابات فمنهم من قال: الماء هو عملة المستقبل لأن الصراع عليه تضاعف في ثلاث سنوات فقط. ويقال بأن الحرب العالمية القادمة ستكون على الماء، ندرته وحاجة الناس إليه تجعله عملة المستقبل، والرهان عليه رهان على مستقبل مضمون.
وقال آخر: ليس الماء، بل الذكاء الاصطناعي، لأنه سيفتح آفاقاً جديدة للبشرية وسيغير الطريقة التي يعيش بها البشر. أكبر الشركات في العالم من حيث القيمة السوقية هي شركات الذكاء الاصطناعي، ستدخل الآلة في كافة شؤون حياتنا، وسيكون الذكاء الاصطناعي نفط المستقبل وعملته التي لا تنضب، والرهان عليه هو الرهان الحقيقي على المستقبل.
وقال ثالث: بل الطاقة.. الطاقة هي التي تشغل الذكاء الاصطناعي، ولن يحد تطوره إلا مدى توفر الطاقة. الطاقة هي نفط المستقبل بأشكالها المختلفة، ومن يمتلك الطاقة سيمتلك المستقبل.
التفتوا إلي يسألونني عن رأيي. قلت لهم: العملة التي نراهن عليها ليست الماء أو الطاقة أو الذكاء الاصطناعي أو البيانات رغم أهميتها. العملة التي نراهن عليها هي الثقة.
ثقة البشر في بلادنا هي عملة المستقبل، وهي التي ستجلب المستثمر والمواهب في الذكاء الاصطناعي، وهي التي ستعطينا شركاء عالميين في الطاقة، وهي التي ستوفر لنا أفضل التقنيات والاستثمارات في مجال الماء. الثقة عملة نادرة هذه الأيام، وندرتها تعطيها قيمة عظيمة. وإذا فقدناها فقدنا أهم رأس مال وطني نملكه.
في تقرير لشركة إدلمان - ومقرها نيويورك - والذي يقيس مؤشر ثقة الناس في الحكومات، بلغت هذه الثقة 53% فقط. وفي تقرير آخر لمنظمة التعاون الدولي بلغت الثقة في الحكومات في 30 دولة حول العالم 39% فقط. بالمناسبة، دولة الإمارات تصدرت العالم في مؤشر إيدلمان للثقة للعام 2026.
علمتني الحياة أن الاستقرار الاقتصادي يبدأ عادة في عقل الإنسان .. والأسواق المالية لا تنهار أرقامها فجأة، بل تنهار قبلها معنويات وثقة المستثمرين.
الثقة هي التي تجعل القانون يُحترم، لأن الجميع يعرف أنه يُطبق على الجميع.
الثقة هي التي تمنح الخبر مصداقية، لأن الناس تعرف أن الحكومة لن تكذب.
الثقة هي التي تجعل السوق مستقراً، لأن المستثمر يعرف أن الحكومة في صفه.
الثقة هي التي تجعل الناس وقت الأزمات يلتزمون بالتعليمات، لأنهم يصدقون بأن الهدف سلامتهم وراحتهم، وإذا فقدت الثقة فقدت كل ذلك.
في مقولة تُنسب لكونفوشيوس قالها قبل نحو 2500 عام "أن الحكم يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الغذاء والسلاح وثقة الناس، وإذا اضطر الحاكم للتخلي عن أحدها يتخلى أولاً عن السلاح ثم عن الغذاء، أما الثقة فلا تقوم الدولة بدونها".
يخطئ البعض عندما يعتقد بأن الثقة هي نتيجة للنمو الاقتصادي والاستقرار المالي، العكس هو الصحيح تماماً. الثقة هي المقدمة، وهي التي تصنع الرخاء والنمو والاستقرار الاقتصادي.
والثقة تُكتسب عبر سنوات طويلة من العمل والجهد واستقرار القوانين واحترام الإنسان وشرعية الإنجاز، فتبني رصيداً ضخماً لدى الناس، تسحب منه الحكومات وقت الأزمات. فيكون الناس شركاء في إدارة الأزمات ومواجهة أي تحديات لأنهم يثقون أن الأزمة مؤقتة والاستقرار دائم.
الثقة هي عهد بيننا وبين الناس، ونحن قوم لا نخون عهودنا.
في تصريح غريب لمسؤول في إحدى الدول الكبرى، كان ينتقد فيه مواطنيه الذين يعيشون في دولة الإمارات، يقول تكبدنا عناء إرسال طائرات إجلاء لهم أثناء المواجهات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، لكن الطائرات رجعت خالية، ما اضطرهم لإلغاء خطط الإجلاء.
ما الذي يجعل البشر يأتمنونك على أنفسهم وأسرهم وأطفالهم وأموالهم أثناء الحرب ويرفضون العودة لبلدانهم؟ إنها الثقة التي عملنا عليها خلال 50 عاماً، والعهد الذي بيننا وبينهم أن نحميهم. والثقة بأن الاستقرار سيعود، والاقتصاد راسخ وقوي، والمستقبل مليء بالفرص.
الثقة أسلوب حياة في بلادنا بحمد الله. نحن نثق بربنا ونتوكل عليه ونؤمن الخير بيديه، ونثق بالمستقبل، ونتفاعل دائماً بأن القادم أجمل، ونثق بالناس وبالمسؤولين في الحكومة، والمسؤولون يثقون بفرق عملهم.
وكما قلت سابقاً القصة ليست في الموارد، القصة في العقلية يا صديقي .. العقلية التي نحيا بها وندير بها بلادنا.
والقادم أجمل بإذن الله.
محمد بن راشد آل مكتوم
برق الإمارات مؤسسة إعلامية إماراتية رائدة في قطاع الأخبار والترويج الإعلامي